الفلسفة وموقعها في العالم العربي

تحت هذا العنوان العريض جرت محاولة الإضاءة على بعض النقاط المفتاحية المتعلقة بأسئلة الفلسفة ودرسها في الواقع العربي، ساءلنا فيها الدكتور ناصر محمد الشعلاني أستاذ فلسفة العلوم بكلية الآداب جامعة الزاوية – ليبيا.



وهذه أولا نبذة تعريفية تخصه: الدكتور ناصر محمد عمار أبوالقاسم الشعلالي الأستاذ المشارك بقسم الفلسفة كلية الآداب جامعة الزاوية من مواليد العام 1971، حاصل على الليسانس في الفلسفة سنة 1995م سنة 2002م من جامعة الزاوية بليبيا، والدكتوراه في الفلسفة المعاصرة من جامعة دمشق – سوريا سنة 2011. البريد الالكتروني  nassirammar@gmail.com 

س: كيف ترى موقع الفلسفة في عالمنا العربي اليوم باعتبار الحاضر عنصر إشكالي في المنظورين المعرفي والعملي ؟ 

د. ناصر: في الحقيقة، يمكن الاعتراف أولاً أنه لا إشكال حول موقع الفلسفة في العالم العربي، بقدر ما يتموضع الإشكال في الموقف من الفلسفة وطروحاتها وأدواتها المنهجية، فلازالت الفلسفة تنتج لنا النخب من المفكرين والمثقفين، ولكن السؤال ما هي درجة قبول هؤلاء في المجتمع العربي ؟

إنها درجة صفر على ما يبدو، فأغلب فلاسفة الفكر العربي قديمه وحديثه لاقوا نفوراً مجتمعياً واسعاً من شرائح متعددة بسبب عدم تقبل الأفكار الفلسفية وضوضائها خاصة في ما يتعلق بأفكارها حول العلاقة بين العقل والنقل، أو بين الفلسفة والدين، بالرغم من المحاولات الجادة من طرف الفلاسفة للتوفيق بينهما طبقاً للحجج والبراهين الدالة على عمق التقارب بينهما والتناسب والتجانس، هذا على مستوى أما على مستوى آخر فإن نقدها للطروحات السياسية وعلاقتها العميقة بنقد السلطة ومجابهة استبدادها، ورسمها لخارطة التفكير السياسي هو تحديداً ما أوجد لها أعداء كثر في العالم العربي ابتدأ من هرم السلطة إلى عموم الناس.

س: كيف ترى تفاعل الفلسفة مع ما جرى من تحولات في المجتمعات العربية ومع تصورات شعوبها عن ذواتها وعن العالم الآخر؟ 

د. ناصر: في ما اعتقد أن دورها كان ضعيفاً جداً إلى الحد الذي يجعلنا نؤمن بأنها لم تستطع حتى الدفاع عن نفسها وذلك لاعتبارين أساسيين: 

  • أولهما: إن التحولات التي حدثت هي تحولات شعبية لم تقدها نخب أو أصحاب فكر، إذ كانت الفئة التي تقود التحولات هي فئة راديكالية بمعنى ما من المعاني، كما أنها جوفاء لا تمتلك مقومات أمرها إلا من حيث التنادي والتداعي على الفوضى وامتلاك مقومات لم تكن تحلم أنها ستصبح بيدها في يوم من الأيام
  •  ثانيهما: تمظهرت إشكالية ضعف الفلسفة في مسألة التوظيف، أي توظيف الفكر الفلسفي في خدمة اتجاهات محددة لم تسهم يوماً في بناء تلك التحولات بقدر ما أسهمت في بناء أيديولوجيات خاصة بها تم استغلالها لاحقاً في صنع سياقات خاصة، وترسيم جديد لحدود الفكر والتاريخ.

س: هل تمايزت أسئلتنا الفلسفية الحاضرة عن أسئلتنا الماضية (عصر النهضة وعصر التحرر من الاستعمار)؟ 

د. ناصر: مما لا شك أن مسألة تمايز الأسئلة الفلسفية واختلافها عبر سيرورتها التاريخية هي مسألة مهمة، لتكتب الفلسفة نفسها في كل عصر بما تمليه عليها ضروراته، فسؤال الفلسفة أمس ليس هو سؤالها اليوم، حتى على مستوى سؤالها في الغرب الأوربي قد تحررت الفلسفة من جملة من الأسئلة التي جعلتها رهينة لموضوعات بعينها، حتى أننا لنجد تغيراً في أنماط السؤال الفلسفي نفسه، فسؤال الفلسفة الوسيطة ليس هو نفسه سؤال بدايات عصر النهضة، لا يكافئ في جوهره سؤال الثورة العلمية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وليس سؤال التنوير هو سؤال الحداثة، ولا يوازي سؤال الحداثة سؤال ما بعد الحداثة، لذلك يتغير السؤال الفلسفي طبقاً لمقتضيات العصر نفسه، ولذلك أردنا أن نقول إن التفكير الفلسفي يواجه اليوم تحديات جمّة، وإشكالات متعددة تفرض عليه مراجعة مناهجه وأهدافه وطرق معالجته للقضايا، وتحديد موقعه بين المجالات المعرفية الأخرى وفي الميادين الفكرية التي تقع تحت تأثير عقدتين قويتين، 

الأولى: عقدة التقدم العلمي التقني وما خلّفه من أثر سيء ونتائج مدمِّرة وأدت الدور الأصيل للعقل، واستبدلت به عقلاً تقنياً أداتياً لا يقدّر عواقب اغتراب الإنسان وتشيؤئه بقدر ما يهمه أولاً وقبل كل شيء تحقيق الهيمنة التقنية للعلوم الطبيعية، 

والثانية: عقدة الارتباط بالفلسفة النسقية التي لا زالت تأسر الفكر وتربطه برباط يصعب حلّه، وتسجنه داخل سجن يصعب الخروج منه أو تجاوز سجّانه ؛ ولهذا السبب أو ذاك تريد الفلسفة اليوم أن تتحرر من هاتين العقدتين ، فظهرت تيارات عديدة معاصرة وظفت الفلسفة طبقاً لاتجاهاتها وتطلعاتها ، ودفعت نحو أن تتخذ الفلسفة طابعاً نقدياً اجتماعياً، لكي تتمكّن بموجبه من احتلال موقعها بين العلوم بوصفها تفكيراً سالباً، وقد حاولت هذه التيارات تقديم نظريات نقدية ضمن إطار اجتماعي، وُظّف فيه النقد لخدمة أغراض تحررية، وسُلِّط هذا النقد على العقل المنفعي ذاته الذي غدا عقلاً أنانياً، ومن هنا ظهرت الرغبة في دراسة أوضاع الإنسان في المجتمع ومحاولة تثويره ضد مظاهر الزيف والجور والاستبداد بعد أن فقدّ جوهره وماهيته ومنزلته في المجتمع؛ لذلك كان اللجؤ إلى الفلسفة النقدية الاجتماعية أمراً ملحاً . 

على ذلك يمكن القول إن فلسفة اليوم ليس هي فلسفة الأمس، وسؤالها اليوم يعد سؤالاً مميزاً في جوهره الراهن، ومتمايزاً في علاقته مع الأسئلة التي ظلّت مطروحة على مرّ قرون من الزمن.